الجصاص

338

أحكام القرآن

وذلك لأنه معلوم أن الإكراه ينافي الرضا ، وما وقع عن طوع ورضا فغير مكره عليه ، فلما كانت الحال شاهدة بوجوب الرضا منه بالفعل دل ذلك على أنه لم يفعله مكرها ، ودلالة الحال على ما وصفنا أنه معلوم أن حال الإكراه هي حال خوف وتلف النفس والانتشار والشهوة ينافيهما الخوف والوجل ، فلما وجد منه الانتشار والشهوة في هذه الحال علم أنه فعله غير مكره لأنه لو كان مكرها خائفا لما كان منه انتشار ولا غلبته الشهوة ، وفي ذلك دليل على أن فعله ذلك لم يقع على وجه الإكراه فوجب الحد . فإن قيل : إن وجود الانتشار لا ينافي ترك الفعل ، فعلمنا حين فعل مع ظهور الإكراه أنه فعله مكرها كشرب الخمر والقذف ونحوه . قيل له : هذا لعمري هكذا ، ولكنه لما كان في العادة أن الخوف على النفس ينافي الانتشار دل ذلك على أنه فعله طائعا ، ألا ترى أن من أكره على الكفر فأقر أنه فعله طائعا كان كافرا مع وجود الإكراه في الظاهر ؟ كذلك الحال الشاهدة بالتطوع هي بمنزلة الإقرار منه بذلك فيحد . باب صفة الضرب في الزنا قال الله تعالى : ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) روي عن الحسن وعطاء ومجاهد وأبي مجلز قالوا : " في تعطيل الحدود لا في شدة الضرب " . وروى ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن عمر : أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها ، وأحسبه قال : وظهرها ، قال : فقلت لا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ! قال : يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة ؟ إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها وقد أوجعت حيث ضربت . وروي عن سعيد بن جبير وإبراهيم والشعبي قالوا : " في الضرب " . واختلف الفقهاء في شدة الضرب في الحدود ، فقال أصحابنا وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر : " التعزير أشد الضرب ، وضرب الزنا أشد من ضرب الشارب ، وضرب الشارب أشد من ضرب القاذف " . وقال مالك والليث : " الضرب في الحدود كلها سواء غير مبرح بين الضربين " . وقال الثوري : " ضرب الزنا أشد من ضرب القذف ، وضرب القذف أشد من ضرب الشرب " . وقال الحسن بن صالح : " ضرب الزنا أشد من ضرب الشرب والقذف " . وروي عن عطاء قال : " حد الزنية أشد من حد الفرية وحد الفرية والخمر واحد " . وعن الحسن قال : " ضرب الزنا أشد من القذف والقذف أشد من الشرب وضرب الشرب أشد من ضرب التعزير " . وروي عن علي أنه ضرب رجلا قاعدا وعليه كساء قسطلاني .